الشيخ السبحاني

153

بحوث في الملل والنحل

خاتماً ، إذ لا يكون خاتماً إلّا إذا أخذ باللب ( الإحسان إلى الأيتام ) وترك القشر واللباس إلى الناس ومقتضيات الظروف . 3 - إنّ الصحابة - حسب رواية أهل السنّة - قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد ، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بدعة ، وما هذا إلّا لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » ، فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب والسنة ، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه ، وإعراب كلمه وجمله ، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمر ، وأخيراً طباعته ونشره ، وتقدير حفاظه وتكريمهم والاحتفال بهم ، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي كلها دعم لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه ، وإن لم يفعله رسول اللّه ولا الصحابة ولا التابعون ، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة . 4 - الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم ، قال سبحانه : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » « 2 » ، وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح ولزوم الخدمة العسكرية فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل ، فما ربما يرمي التجنيد العمومي إلى أنّه بدعة ، غفلة عن حقيقة الحال ، وإنّ الإسلام يتبنّى الأصل ، ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف . هذا هو الأصل الّذي به نميز « البدعة » عن « التطبيق » ، و « الابتداع » عن

--> ( 1 ) . الحجر : 9 . ( 2 ) . الأنفال : 60 .